الشيخ حسن المصطفوي
58
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
على المرتبة الأولى ، فيقال ساخت القوائم والأقدام في الأرض . وامّا معاني - العمى والهزال والجوع وذهاب النور والنقص والهوان وغيرها : فمعاني مجازيّة ومن آثار الأصل . ويدلّ على الفرق بين الخسف والكسف والغور والسيخ : موادّ الكلمات وحروفها ، فانّ حرف الخاء حلقيّة والكاف من أقصى اللسان فوق الحلق ، ففي - الخسف شدّة غور بالنسبة إلى الكف . ولمّا كان لفظ الغور مركَّبا من حرف حلقيّة وحرف لينة : فيدلّ على نفوذ دقيق وورود لطيف . وامّا لفظ السيخ : فقدّمت السين واخّرت الخاء ووسّطت اللينة : فيدلّ على دخول جزئىّ مع اللين ثمّ الثبوت والشدّة . وقريب من الخسف لفظا ومعنى : مادّة الخزي والخسر والخسّ والخشع والخضع . فخسفنا به وبداره الأرض ، ومنهم من خسفنا به الأرض ، ان نشأ نخسف بهم الأرض ، أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البرّ ، لولا أن منّ اللَّه علينا لخسف بنا - فالمادّة استعملت في هذه الموارد في معناها الحقيقىّ . * ( فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ) * - 75 / 8 - والظاهر أن يكون خسوف القمر إشارة إلى غئوره ورجوعه إلى الشمس وانجذابه فيه ، بحيث يكون القمر منحلَّا ومندكَّا في الشمس ، وذلك إذا اختلّ نظام العالم المادّىّ الدنيوىّ . ويمكن أن يشار بهذه الآية الكريمة إلى اندكاك الوسائط في مقام الإفاضات و - انحلال الأقمار المستنيرة وفنائها ، وبقاء الحقّ المتعال - مالك يوم الدين . وظهر أنّ الخسوف ليس بمعنى ذهاب النور والضياء كما في التفاسير ، ولا يجوز لنا العدول عن الأصل والحقيقة ، والتفسير بوفق الرأي والفهم المحدود . والتعبير بقوله تعالى - . * ( بَرِقَ الْبَصَرُ ) * : إشارة إلى أنّ هذه المعاني بعد نورانيّة البصارة .